لقد تغير الطب .....و تغير الزمن ....إنه زمن التخصصات الدقيقة

هذا هو جوابي للسؤال المتكرر الذي لاحقني طويلاً خلال السنوات الماضية "لماذا فقط الحول؟!.. "  الكثير من الأصدقاء و الزملاء و الأقارب لم يدركوا في البداية قصة هجري لطب العيون و تركيزي على الحول فقط

أنا نفسي عندما تخرجت من كلية الطب و اخترت الاختصاص في طب العيون لم أكن أتخيل طبيب العيون الناجح إلا ملماً بكل شيء في هذا المجال, لم أتخيل أيضاً أن يكون هناك تخصصات فرعية في طب العيون .

 بعد سنة واحدة في الاختصاص في مشفى المواساة الجامعي بدمشق بدأت أدرك أن طب العيون هو أوسع بكثير مما يمكن أن يتخيل غير المختص و أن هناك عدد هائل من الحالات المرضية يمكن أن يصيب كل جزء من العين و عدد هائل من التقنيات التشخيصية و العلاجية و التي تتطور بسرعة هائلة , و بدأت ألاحظ كيف أن كل واحد من أساتذتي يتميز في مجال معين رغم عمله في مختلف مجالات طب العيون, وأنه لا يمكن لأي طبيب عيون ومهما بلغ من الخبرة و العلم و المثابرة أن يكون مبدعاً في كل مجالات طب العيون من الشبكية للأقسام الأمامية للحجاج و التجميل و الحول و البصريات .

تشير الإحصاءات إلى أن حوالي 2% من الناس لديهم شكل ما من أشكال الحول, وهي نسبة كبيرة بالفعل و لكن هذا ليس سبباً كافياً لأن يصبح الحول اختصاصاً بحد ذاته و إلا لكنا شاهدنا أطباء اختصاصيين في الأنفلونزا مثلاً أو الصدف الجلدي .. من الواضح أن هذه لا تبدو فكرة جيدة ,و الأمر ليس كذلك أبداً, فالحول ليس مجرد مرض شائع بل هو مجموعة كبيرة من الاضطرابات المرضية التي يمكن أن تصيب منظومة فيزيلوجية في جسم الإنسان في غاية الدقة و التعقيد هي منظومة الحركة العينية.

هناك ستة عضلات لكل عين تعمل على تحريك كرة العين في مختلف الاتجاهات وفق تحكم عصبي دقيق و هذا ما يعتبر الجزء السهل و الأمر يصبح أكثر تعقيداً بكثير عندما نتحدث عن حركة العينين معاً حيث يتوجب من التحكم العصبي الدقيق أن يحافظ على بقاء التثبيت المشترك بالعينين معاً طوال الوقت و عند تبديل النظر في مختلف الاتجاهات و المسافات وعند ملاحقة الأشياء المتحركة بل وعند تثبيت النظر على شيء ما مع تحرك الرأس في الاتجاهات المختلفة.

إذا مرت ذبابة أمام أحدنا تتحرك عينيه فوراً لرصدها و لن يخطر بباله أن هذه الحركة السريعة جداً تتطلب مقداراً مختلفاً و دقيقاً جداً من التنبيه العصبي لكل من العضلات الإثني عشر المحركة للعينين وأن الأمر لا يحتمل أي خطأ لأن الخطأ البسيط يعني ببساطة أننا سوف نرى ذبابتين بينما هي واحدة فقط تمر أمامنا, لن يخطر بالبال أيضاً أن هذه الحركة تتضمن تآزر بين ثلاثة أنظمة عصبية منفصلة تسيطر على الحركة العينية و سوف أسردها هنا بشكل مفاهيم مبسطة :

1)      نظام تحريك العينين لتغيير اتجاه النظر : وهو ما يسمى علمياً بـ Versions  و هو يشمل النظر للأيمن و الأيسر و الأعلى و الأسفل (إضافة إلى الاتجاهات المشتركة كالأيمن و الأعلى مثلاً) و يمكن أن يصاب هذا النظام بخلل عند وجود بنية غير طبيعية لواحدة أو أكثر من العضلات المحركة للعين أو وجود ضعف أو شلل في أحد الأعصاب المحركة لهذه العضلات

2)      نظام تحريك العينين لتغيير مسافة النظر: وهو ما يسمى علمياً بـ Vergences و هو يشمل التقارب (Convergence) و التباعد (Divergence), و يمكن أن يصاب هذا النظام بخلل لسبب بنيوي غير محدد أو لوجود مشاكل في البصر كمد البصر مثلاً

3)      نظام الضبط الدقيق : وهو ما يسمى علمياً بـ Fusional vergences و هو مسؤول عن تصحيح أخطاء محتملة في النظامين السابقين ضمن حدود معينة و عندما يعجز نظام الضبط هذا عن تصحيح الخلل تكون النتيجة هي حدوث الحول

يعرف جميع المختصين في مجال الحول أنه رغم شيوع هذا المرض إلا أنه لكل حالة وضعها الخاص و تقييمها الخاص و علاجها المختلف و من الصعب جداً تماثل حالتين, ومع توفر العديد من المراجع و الكتب المتخصصة في الحول إلا أنه يمر بشكل متكرر حالات لا يبدو و أن هذه المراجع قد تطرقت إليها و على المختص أن يوظف محاكمته الخاصة و خبرته في التعامل معها.

من جهة أخرى فإن معظم أهالي الأطفال المصابين بالحول و الذين استشاروا أكثر من طبيب عيون يبدون قلقهم و حيرتهم من الاختلافات الكبيرة في الآراء فواحد أخبرهم بضرورة إجراء الجراحة في أسرع وقت و آخر حذرهم منها و استبعدها نهائياً و ثالث رأى أن عليهم الانتظار  لعمر أكبر أو اللجوء للمعالجة التصويبية بالتمارين و هكذا.

الاختصاصات الفرعية في طب العيون معروفة ومنظمة في الولايات المتحدة و في العديد من دول العالم منذ زمن طويل, ولكن كان العرف سابقاً على أن الحول يتبع  لما يعرف باختصاص " الحول وطب العيون عند الأطفال " ولكن اتضح لاحقاً أن أطباء هذا الاختصاص انقسموا عملياً إلى قسمين قسم يهتم بالحول فقط (ويشمل ذلك الحول عند الصغار و الكبار) وقسم يهتم بأمراض العين الأخرى عند الأطفال وهكذا فإن اختصاص الحول قد تبلور بشكل واضح خلال العقدين الأخيرين كاختصاص فرعي مستقل في طب العيون وتوجد حالياً في دول العالم العديد من الجمعيات التي تضم الأطباء المتخصصين في مجال الحول .

قال لي ذات يوم أحد الزملاء من أطباء العيون : "أصارحك أنني و بكل صدق أتمنى أن لا يدخل مريض الحول إلى عيادتي !" و أنا حقيقة لم أستغرب كلامه لأنني أعرف بشكل جيد مدى عزوف أطباء العيون عن الحول ومدى مقتهم لهذا الفرع من طب العيون و أسباب ذلك كثيرة:

v      السبب الأهم هو صعوبة التعامل مع الأطفال المصابين بالحول حيث أنه لا يمكن دراسة الحول أثناء تخدير الطفل (كما هي سائر الأمراض العينية الأخرى) و تحديد نوع الحول و قياس درجته بدقة أمر يتطلب جذب انتباه الطفل لفترة من الوقت و هو أمر عسير جداً في بعض الأحيان خاصة إذا كنا نتحدث عن قياس زاوية الحول في جميع اتجاهات النظر

v      السبب الآخر هو أن نتائج جراحة الحول تكون في كثير من الأحيان مخالفة للمتوقع ولا يمكن أن تكون مضمونة بشكل كبير و حتى من قبل الخبيرين مما قد يتطلب إعادة الجراحة في نسبة تصل إلى 20 – 30% من الحالات بحسب الدراسات العالمية, و هذه النسبة تكون أعلى بكثير بكل تأكيد إذا كانت دراسة الحالة قبل الجراحة غير كافية

v      أيضاً فإن جراحة الحول لا تقوم على تقنيات عالية كما هي جراحة الشبكية أو الساد أو تصحيح البصر بالليزر و لذلك فهي لا تقدم عائداً مادياً كبيراً لطبيب العيون

نعم على الطبيب الذي يتطلع إلى النجاح والتميز أن يختار الاختصاص الذي يحتاجه المجتمع بالفعل, و لكن يجب أيضاً أن ينسجم هذا الاختصاص مع ما يناسب ميوله و يستهويه, و أنا قد رأيت ذلك في اختصاص الحول و قررت أن أكرس حياتي لهذا الاختصاص و فقط لهذا الاختصاص.

د. سامر حجو