مد البصر (طول البصر) و المطابقة

مد البصر أو طول البصر  Hyperopia يعني نقص في القوة الكاسرة للعين (و التي هي القوة الكاسرة لقرنية العين مع القوة الكاسرة لبلورة العين) عن الحد الذي يكفي لإسقاط خيال الأشياء البعيدة التي ننظر إليها على شبكية العين , فعند وجود مد بصر يكون المكان المفترض للخيال أبعد من الشبكية  وبالتالي تستقبل الشبكية خيالاً مشوشاً يؤدي إلى رؤية غير جيدة , ويصبح الأمر أسوأ عند النظر إلى المسافات القريبة حيث أنه هناك حاجة لقوة كاسرة أكبر كلما كان النظر لمسافة أقرب.  

و لكن في الحقيقة إن عين الإنسان تمتلك قدرة على زيادة قوتها الكاسرة عن طريق عملية تسمى المطابقة وهي  تتم بزيادة انحناء بلورة العين بمساعدة عضلة داخل العين تسمى العضلة الهدبية وهكذا يمكن للعين في أن تتغلب على درجات معينة من مد البصر و أن تحقق رؤية جيدة عند توفر قدرة كافية من هذه المطابقة .

و المطابقة هي عملية انعكاسية لا شعورية تشبه  "الفوكس الآلي  Auto focus " للكاميرات الحديثة و تهدف بالأساس إلى زيادة الانكسار عبر العين عند النظر للأشياء القريبة بحيث تتم المحافظة على نفس الوضوح لجميع مسافات النظر, و لكن عند وجود مد البصر فإن هناك حاجة لاستخدام المطابقة حتى بالنظر البعيد (حيث يجب أن تكون مسترخية) و يكون العبء على المطابقة أكبر من اللازم عند النظر للقريب.

مثلاً الشخص السديد البصر عندما ينظر للبعيد يجب أن تكون المطابقة لديه في حالة استرخاء تام , و عندما ينظر إلى شيء محدد على مسافة 50 سم فهو بحاجة إلى درجتين من المطابقة و عندما ينظر إلى مسافة 25 سم فهو بحاجة إلى 4 درجات مطابقة . بينما الشخص الذي لديه مد بصر بمقدار ثلاث درجات مثلاً سوف يحتاج 3 درجات مطابقة للنظر للبعيد و  5 درجات للنظر إلى مسافة 50 سم و 7 درجات مطابقة للنظر إلى مسافة 25 سم .

و للأسف فإن إمكانية المطابقة لها حدود و الضغط الزائد عليها قد يسبب تعب العينين و الصداع و الأخطر من ذلك أنه قد يسبب الحول الأنسي .

و تكون المطابقة في أشدها خلال السنوات الأولى للحياة و تضعف بشكل تدريجي مع تقدم العمر حتى تصبح بعمر 40 – 45 سنة غير كافية للرؤية للقريب (للقراءة مثلاً) حتى من غير وجود مد بصر و هذا الأمر هو ظاهرة طبيعية مرتبطة بالعمر و كانت تسمى سابقاً "مد البصر الشيخي" ثم تم استبدال التسمية بقصوّ البصر (Presbyopia)  لتجنب الخلط بينها و بين مد البصر و لكونها تبدأ حوالي عمر الأربعين و ليس في الشيخوخة .

الغالبية العظمى من الأطفال يولدون و لديهم درجات خفيفة من مد بصر و هي لا تؤثر عادة على الرؤية سواء للقريب أو للبعيد بسبب كون المطابقة ذات فعالية عالية في الطفولة كما ذكرنا سابقاً و يحدث تعديل المد باتجاه السداد عند النسبة الأكبر من الأطفال خلال سنوات الطفولة كما قد ينقلب بعضهم باتجاه الحسر في سنين المراهقة خاصة و يبدو أن ولادة الطفل مع  حوالي درجتين من المد هو الأمر الطبيعي و الفيزيلوجي و الذي سوف يتعدل لاحقاً إلى سداد البصر  و عدم وجود هذا المد الولادي يعني أن الطفل على الأغلب سوف يصبح لديه حسر بصر في المستقبل كما أن وجود أكثر من ثلاث درجات من المد في الولادة يعني أن هذا الطفل على الأغلب لن يتعدل لديه المد بشكل كامل.

و لكن هل يفيد تصحيح مد البصر بالنظارة في المساعدة على تعديل هذا المد و شفاؤه مع الوقت ؟

على العكس تماماً فتصحيح المد بالنظارة من المرجح أن يعيق شفاء المد أو تحسنه و ذلك بخلاف ما يعتقد أغلب الناس و يجب عدم وصف النظارة لتصحيح المد لدى الأطفال إلا في حالات معينة يقدرها طبيب العيون و نجملها بشكل مختصر بما يلي :

  1. وجود حول أنسي
  2. وجود تهديد بالحول الأنسي (مثلاً أن توجد قصة وراثية قوية للحول الأنسي أو أن يلاحظ الطبيب بالفحص وجود حول أنسي كامن أو خفي)
  3. وجود درجات عالية من المد بدون أي حول أو تهديد بالحول و لكن هذه الدرجات تعيق الرؤية الجيدة و تهدد بالكسل الوظيفي في العين حيث تفشل المطابقة في استمرار الحفاظ على رؤية جيدة و يحدث نوع من الاستسلام للرؤية المشوشة و يؤدي ذلك إلى الكسل الوظيفي و الذي إذا تأخرت معالجته قد يسبب نقص دائم في الرؤية لا يمكن معالجته لا بالنظارة و الا بأية معالجة أخرى.
  4. وجود فارق هام في درجة المد بين العينين مما قد يهدد بالكسل الوظيفي في العين التي فيها درجة المد أعلى
  5. وجود أعراض إجهاد بصري و تعب في الدراسة بسبب مد البصر

في حال عدم وجود أي من الحالات الخمسة السابقة يجب ترك مد البصر و شأنه عند الأطفال و عدم التداخل في الآلية الطبيعية التي تسبب تحسنه مع العمر .

أما عند الكبار فعادة تصحيح المد بالنظارة ضروري و مفيد لأنه يحسن الرؤية للقريب و البعيد (حيث لا يكون هناك مطابقة كافية كما عند الأطفال و الشباب الصغار) كما لا يؤثر على التغير في درجات المد لأن هذه الدرجات قد أصبحت ثابتة .